وكالة مهر للأنباء: طرحت مجلة «الإيكونوميست» في أحدث تحليل لها حول مستقبل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، خلاصة تتجاوز التقييمات المعتادة للقدرات العسكرية لواشنطن، مفادها أن «الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط آخذة في الانتهاء». وترى المجلة أن الولايات المتحدة، وبعد عقود من محاولات تشكيل النظامين السياسي والأمني في المنطقة، باتت أمام واقع جديد؛ فحتى مع استمرار تفوقها العسكري، لم تعد قادرة على فرض النظام الإقليمي من الخارج كما كانت تفعل في السابق.
وتزداد أهمية هذا التحليل بالنظر إلى أن «الإيكونوميست» لا تحصر المسألة في نتائج المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل ترى أن هذه المواجهة قد تشكل نقطة تحول في تاريخ النظام الإقليمي للشرق الأوسط؛ وهي نقطة تبدأ فيها الولايات المتحدة بالابتعاد عن موقع القوة المهيمنة والمصمم الرئيسي للترتيبات الأمنية في المنطقة. بل إن المجلة تنظر إلى هذا التحول من منظور تاريخي أوسع من مجرد التغيرات المعتادة في السياسة الخارجية الأمريكية، وتعتبره نهاية مرحلة كان فيها النظام العام للشرق الأوسط يُحدد من خارج المنطقة.
لكن لماذا تشكلت هذه الرؤية؟ تكمن الإجابة في الفارق بين «القدرة العسكرية» و«القدرة على فرض الإرادة السياسية». فما زالت الولايات المتحدة تمتلك واحدة من أقوى القدرات العسكرية في العالم، لكن القوة العسكرية تتحول إلى هيمنة عندما تتمكن من تغيير سلوك الأطراف الأخرى بما يتوافق مع أهداف القوة المهيمنة. وقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن امتلاك القواعد وحاملات الطائرات والطائرات والمنظومات المتطورة لا يعني بالضرورة القدرة على تحديد نتائج التطورات السياسية.
ومن بين الأدلة التي تقدمها «الإيكونوميست» على هذا التغير، السلوك الأمريكي تجاه التطورات في اليمن. وبحسب المجلة، امتنعت واشنطن في مطلع الشهر الجاري عن الانضمام إلى السعودية في شن هجوم مباشر على أنصار الله، وبدلاً من ذلك دخلت في محادثات هدفت إلى حماية السفن الأمريكية من الهجمات. وينبغي النظر إلى هذا القرار في سياق أوسع؛ إذ طلبت السعودية من واشنطن دعماً عسكرياً، في حين لم توافق الولايات المتحدة على الانخراط المباشر في عمليات ضد أنصار الله. كما أكد تقرير لوكالة «رويترز» أن محمد بن سلمان طلب من ترامب دعماً عسكرياً، لكن واشنطن رفضت شن هجوم مباشر واكتفت بتقديم المعلومات ودعم عمليات الاستهداف.
ويكتسب هذا التطور أهمية استراتيجية، لأنه يشير إلى أن واشنطن باتت تميز أكثر من السابق بين «حماية مصالحها» و«الوفاء بجميع التزاماتها الأمنية تجاه شركائها الإقليميين». وقد يبدو هذا الاختلاف في ظاهره قراراً عملياتياً محدوداً، إلا أن سلوك القوى الكبرى غالباً ما يحمل في السياسة الدولية رسائل تتجاوز تصريحاتها الرسمية. وعندما يتوقع حليف إقليمي تدخلاً مباشراً، بينما تفضل واشنطن التحرك من مسافة أكبر، يبرز السؤال حول مدى استمرار الضمانات الأمنية الأمريكية في كونها موثوقة كما كانت في السابق.
ولا يعني هذا التطور بطبيعة الحال خروج الولايات المتحدة الفوري من الشرق الأوسط. فمجلة «الإيكونوميست» نفسها تؤكد أن واشنطن ستبقى حاضرة في المنطقة، وستستخدم قوتها العسكرية عندما تقتضي مصالحها ذلك. لكن المسألة تتعلق بتغير الدور؛ فقد تبقى الولايات المتحدة قوة مهمة، لكنها لم تعد بالضرورة تتولى دور مهندس النظام الإقليمي.
وفي هذا السياق، تكتسب الحرب مع إيران أهمية خاصة. وتكتب «الإيكونوميست» أن الولايات المتحدة وجدت نفسها عالقة في هذه المواجهة ولا تملك طريقاً سهلاً للخروج منها. كما تشير التقارير الأخيرة إلى أن الحرب، بعد أشهر من اندلاعها، لا تزال تؤثر في أسواق الطاقة والملاحة وأمن دول المنطقة، بالتزامن مع استمرار الجهود الدبلوماسية لإيجاد مسار للخروج من الأزمة.
ولا تقتصر أهمية استمرار هذا الوضع على التكاليف العسكرية التي تتحملها واشنطن، بل تمتد إلى مسألة المصداقية الاستراتيجية للولايات المتحدة. فإذا دخلت قوة كبرى في أزمة، لكنها لم تتمكن بعد أشهر من تثبيت الأوضاع بما يتوافق مع أهدافها الأولية، فإن الأطراف الإقليمية الأخرى تبدأ بإعادة النظر في حساباتها. وبدلاً من بناء جميع قراراتها الأمنية على ضمانات قوة خارجية، تتجه إلى تعزيز قدراتها الذاتية، وتشكيل تحالفات جديدة، بل وحتى الحوار مع خصوم سابقين.
وهنا يبرز دور إيران. فإيران ليست الدولة الوحيدة المؤثرة في هذه التحولات الإقليمية؛ إذ تشير «الإيكونوميست» أيضاً إلى تركيا وإسرائيل باعتبارهما قوتين تمتلكان القدرة على ملء جزء من الفراغ المحتمل. لكن موقع إيران مختلف، إذ إن جغرافيتها، ومضيق هرمز، وقدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، وشبكة علاقاتها الإقليمية، فضلاً عن خبرتها الممتدة لعقود في مواجهة الضغوط الأمريكية، تمنح طهران مجموعة من الأدوات التي تؤثر بصورة مباشرة في الحسابات الأمنية للخليج وغرب آسيا. وفي الأيام الأخيرة، ظلّت أزمة مضيق هرمز أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في أسواق الطاقة وحسابات حكومات المنطقة.
وبالتالي، يمكن تلخيص أهمية تقرير «الإيكونوميست» في سؤال واحد: المسألة لا تتعلق فقط بعدد القوات التي ستسحبها الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بل بما إذا كان الآخرون ما زالوا يعتقدون أن واشنطن قادرة وحدها على تحديد مستقبل المنطقة.
وإذا تغيرت الإجابة عن هذا السؤال تدريجياً، فإن ما يجري في الشرق الأوسط لن يكون مجرد إعادة انتشار للقوات العسكرية، بل تحولاً في بنية القوة الإقليمية. فالشرق الأوسط الذي تتشكل قواعد نظامه بصورة أكبر من جانب الفاعلين داخل المنطقة، لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الأمريكي، لكنه يعني نهاية احتكار واشنطن لتعريف قواعد اللعبة. ولعل هذا تحديداً هو السبب الذي يدفع «الإيكونوميست» إلى الحديث عن «نهاية الهيمنة الأمريكية»؛ ليس نهاية الوجود الأمريكي، بل نهاية المرحلة التي كانت فيها واشنطن قادرة على اعتبار نفسها صاحبة الدور الرئيسي في رسم ملامح النظام الإقليمي للشرق الأوسط.

تعليقك